السياسية

الامام جعفر الصادق عليه السلام وارساء المداميك الاربعة

بفلم
توفيق حسن علوية
كاتب وباحث من لبنان
في ذكرى استشهاد الامام جعفر الصادق عليه السلام في الخامس والعشرين من شهر شوال من عام 148 للهجرة نتحدث عن قبس من انوار الامام جعفر الصادق عليه السلام على قاعدة ان من لا بدرك كله لا يترك جله .
فالامام الصادق عليه السلام عمد الى تثبيت اربعة مداميك اصيلة وثابتة وغير متزلزلة في بناء الانسانية الشامخ :
الاول : (المدماك العلمي) : فما من علم الا فتحه واظهره الامام الصادق عليه السلام بحسب ظروف ذاك الزمان ، ومن دون فرق بين علم وعلم ، فقد كان الامام عليه السلام مجليا واوحديا في سائر العلوم ، في علم العقيدة ( الكلام ) كما في علم الفيزياء ، وفي علم الفقه كما في الطب ، وفي علم الحديث كما في الكيمياء ، وهكذا ، ولو كان الامام الصادق عليه السلام في عصرنا لحصد كل طلابه كامل الجوائز العالمية في كل العلوم كجائزة نوبل وغيرها ، ولكانوا من ارقى الناس علما وتطورا واختراعا واكتشافا ، اذ ان الامام الصادق عليه السلام كان ملهم كل العلوم في عصره ، وكان يرشد كل طالب من طلابه الى الاشتغال بتخصص واحد ، وبعض طلابنا الان يظنون ان العبادة والتقوى والدين انما هي منحصرة بالعبادات او بتحصيل العلوم الدينية وهذا خطأ فادح وكبير ، لان العلوم العصرية التي يطلبونها في الجامعات هي علوم دينية ايضا لانها علم بالاثار ، فالفيزياء والكيمياء والطب والهندسة وغيرها هي علوم بالاثار الدالة على المؤثر اي الله المتعال ، وقد ورد ذلك في الاخبار الشريفة بألسنة متعددة ففي الحديث عن المعصوم عليه السلام : العلم ثلاثة: الفقه للأديان، والطب للأبدان، والنحو للسان . وورد بلسان اخر : العلوم أربعة: الفقه للأديان، والطب للأبدان، والنحو للسان، والنجوم لمعرفة الأزمان .
ودراسة هذه العلوم والتفوق فيها والابداع في خضمها من اوفق القربات لله المتعال ومن احسنها طريقا للوصول الى الله المتعال مع ضميمة الاخلاص ونية خدمة عباد الله المتعال وملاحظة ظروف المسلمين الولائيين وحاجتهم الى هذه العلوم لاسيما في ظل الحاجة الى ذلك في الحروب .
الثاني : (المدماك الاخلاقي) : فقد ارسى الامام الصادق عليه السلام المدماك الاخلاقي من خلال تهذيب نفوس اتباعه وتحليتها بالفضائل وجعلها متخلية عن الرذائل ، وكان يتعاطى مع شيعته واتباعه ومريديه بهذه الاخلاق بصورة عملية ، وفي بعض الاوقات كان يعطيهم دروسا عملية سلوكية ، فعندما ياتيه احدهم كان يقول له لماذا كنت تشتم والدتك البارحة ، ويقول لاخر : لماذا فعلت كذا في ذاك المكان ؟ وكان يعلمهم التأدب في الطعام والشراب والمجلس واللباس والنظافة وعدم الاسراف ، وكان يرشدهم في طريقة التعاطي الاخلاقي مع ازواجهم واسرهم واولادهم وجيرانهم واخوانهم بما لا مزيد عليه ، ويوصيهم بصلة الناس والرحم والسير في الجنائز وعيادة المرضى والتصدق والعفو عن المسيء والاحسان الى الجافي وغير ذلك من صور الاخلاق الرفيعة بمضبطة ان كل شخص غير خلوق ليس من شيعة جعفر ، وقد ذكرنا ذلك في مقالة حول صفات الشيعي بالحد الادنى المطلوب والحد الاعلى المرغوب .
الثالث : ( المدماك الروحي العبادي ) : فقد ارسى الامام الصادق عليه السلام حياته العملية على اساس هذه المدماك الروحي العبادي الاصيل ، وقد وصفه احد المعاصرين له بأنه كان اما صائما او قائما او ذاكرا ، وكان عليه السلام صاحب اوراد واذكار دائمة كما اخبر بذلك مريده عنوان البصري ، وكان عليه السلام يرشد اتباعه ومريديه الى ضرورة امتلاك الطاقة الروحية ، وقد ورد ان احد الزنادقة من قبيل ابن المقفع وابي شاكر الديصاني وعبدوالكريم بن ابي العوجاء وعلى ما ببالي هو ابن ابي العوجاء قال وهو يشير الى الامام الصادق عليه السلام : ما هذا ببشر، وإن كان في العالم روحاني يتجسد أبدانياً إذا شاء، ويتروح روحانياً إذا شاء، فهو هذا”. وفي رواية أخرى رُوي عنه: “لا أحد أجدر بالإنسانية إلا هذا الجالس”. وهذه الروحانية تثبت ان الامام الصادق عليه السلام كان لديه برنامج عبادي متكامل ، واما وصفه بالانسان الكامل فهذا له بحثه ، وللروحانية فيه اساس .
على كل يكفي الاطلاع على روايات الادعية والاذكار والاوراد والصلوات المستحية والاعمال العبادية الواردة عنه عليه السلام لاثبات المدماك الروحي عند الامام الصادق عليه السلام لاسيما في السنة الفعلية نظير هكذا صل ، وما اشبه .
الرابع (المدماك الجهادي) : فقد يخيل للبعض ان الامام الصادق عليه السلام كان بمعزل عن السياسة والجهاد ؛ والصحيح انه كان في عمق ذلك ، فمن ثوابته عليه السلام عدم اعطاء مشروعية للحكومات الظالمة كائنة من تكن ومهما تصاعد جبروتها ، وهو القائل للمنصور العباسي الدوانيقي الذي كان سلطان عصره عندما دعاه لزيارته : من اراد ان يصحبك لا ينصحك ومن اراد ان ينصحك لا يصحبك . بعدما اخبره بأن زيارة قصره لا يرتجى منها اي فائدة ، كما ان الامام الصادق عليه السلام كان حريصا على ايصال الفكر الحسيني الى كل عقل يمكن الوصول اليه ، ولهذا جعل زيارة الحسين عليه السلام مجبولة ومشحونة في كل المناسبات حتى في ليالي القدر والعيدين ، وكان عليه السلام يفتي اصحابه بعدم جواز اعانة الظالمين وعدم جواز ولايتهم وولاية ولاة ولاتهم وولاة الولاة ، وكان يعلل عدم القيام المسلح المباشر بأمرين : عدم توفر النخبة المخلصة ، وعدم صلوح الظرف الزماني . وحادثة اشعال التنور خير شاهد ، وحادثة الجداء السبعة عشر خير شاهد على ذلك ايضا ، وحادثة احراق رسائل ابي مسلم الخراساني وابي سلمة الخلال خير شاهد على ذلك ايضا ، فقد كانا من الشيعة الا ان كل طاقاتهما تم اسرافهما وهدرهما في خدمة السلطة العباسية الظالمة ، والامام الصادق عليه السلام اخبر رسول ابي مسلم الخراساني بانه ليس من رجاله وان الزمان غير زمانه ، اذ ما النفع من اشخاص يدعون التشيع والولاية بعد كل هذا التفاني والاخلاص في بناء وتشييد الدول الظالمة ؟ فانهم وبعد زوال قوتهم وتلاشيها ورميهم من قبل السلطة الظالمة كاوراق منتهية الصلاحية تراهم يأتون الى المعصوم عليه السلام لعرض خدماتهم في اوان ضعفهم ، والحال انهم اعطوا للسلطة الظالمة كل شيء في اوان قوتهم .
ان هذه المداميك الاصيلة الاربعة اذا توفرت في المجتمع فإنه سيتحول الى مجتمع حضاري نموذجي لا يرتقي اليه اي مجتمع ، فمجتمع الامام الصادق عليه السلام لو كان في عصرنا كما اراد الصادق عليه السلام لكان رائد كل الشعوب والمجتمعات ولشد كل من سواه الرحال اليه .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار